ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي
72
الوشى المرقوم في حل المنظوم
وقد صدّر هذه الرسالة بقوله : « كتاب آخر كتبه إليه في جمادى الآخرة من هذه السنة بعد الخروج من مصر ، واستيلاء الملك العادل عليها » « 1 » . يصف ابن الأثير ما فعله العادل بعد أن تمكن بمساعدة ابنه الكامل من فك الحصار عن دمشق : « وفوق سهم كيده فسدد . ولقد ركب خطرا لا يسلم راكبه ، وإن سلم لا تسلم له مطالبه ؛ إلا أنه تهيأ له من صنع القدر ، ما لم يكن في وسع البشر ، فواتاه الزمان مبادرا ، وكان محصورا فأصبح حاصرا . وكنت قدّمت إليه ذنبا لا أرجو معه عاقبة إغضائه ، واستسلفت منه دينا لا صبر على اقتضائه ، ففاجأنى من هذا الأمر ما أسقم وأهرم ، وجلب إلىّ الهمّ من حيث أعلم ولا أعلم . . . ولما طمّت هذه الحادثة كبرت علىّ حتى توهمها عيانى ، وصادف تلك الحوادث بالنسبة إليها أماني ، فعلمت حينئذ أن الحزم في التشمير ، ولم آت بالرأي الأول في الزمن الأخير ، فكتمت أمرى ، وخففت ظهري ، وهونت ألا أكون في هذه السفرة من الغانمين » « 2 » . ويمكن أن نستنتج من هذه الفقرة أن الضياء بن الأثير رغم اعترافه بأن إساءته في حق الملك العادل لا تغتفر ؛ فإن الملك العادل فاجأه بأنه أبقاه كاتبا عنده ، يتضح ذلك من قوله « وكنت قدمت إليه ذنبا لا أرجو معه عاقبة إغضائه ، واستسلفت منه دينا لا صبر على اقتضائه ، ففاجأنى من هذا الأمر ما أسقم وأهرم ، وجلب إلىّ الهمّ من حيث أعلم ولا أعلم » . فابن الأثير قد أهمّه الأمر كلّ الهمّ ، وانشغل به لدرجة المعاناة ، ولما أحس من الملك العادل بالغدر وجد « أن الحزم في التشمير ، ولم آت بالرأي الأول في الزمن الأخير ، فكتمت أمرى ، وخففت ظهري ، وهوّنت ألا أكون في هذه السفرة من الغانمين » . ويتابع ، فيصف هذا الخروج بما يشبه خروجه الأول من دمشق ، وأنه كان وحده بلا رفيق إلا راحلته . يقول : « وخرجت وقلت : ربّ نجنى من القوم الظالمين . ثم سرت وعلى الراحلة من عزمي ما بزّها ، ولو اهتزت الأرض من ثقل
--> ( 1 ) نشرة القيسي - ناجى 1 / 113 . ( 2 ) السابق 1 / 114 .